الحمل بعد جراحة السمنة: نهج طبيب الغدد الصماء وأخصائي التغذية

تُعد السمنة من الأمراض الخطيرة في عصرنا الحالي. ومع مرور الوقت لا يزداد انتشار السمنة في المجتمع فحسب، بل تزداد أيضًا شدتها والمضاعفات الصحية المرتبطة بها. إن حدوث الحمل لدى النساء المصابات بالسمنة أصعب مقارنة بغير المصابات بها. كما أن المشكلات الصحية الخطيرة التي قد تظهر أثناء الحمل لدى المصابات بالسمنة تُشكل تحديًا للأطباء المتابعين للحمل. إن العلاج الغذائي الطبي، وممارسة التمارين، والعلاج السلوكي، والعلاج الدوائي عند الحاجة قد لا تكون كافية أحيانًا لعلاج السمنة. خاصة في حالات السمنة المفرطة، يمكن تحقيق فقدان سريع للوزن من خلال تقنيات جراحية مثل تكميم المعدة أو العمليات التي تشمل المعدة والأمعاء. وتُعد الجراحة خيارًا قويًا خاصة لدى المرضى الذين يعانون من داء السكري غير المسيطر عليه، وارتفاع مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، وضعف الحركة المرتبط بالوزن، وانقطاع النفس أثناء النوم الشديد، وكذلك لدى من لم يستفيدوا من العلاجات غير الجراحية. ومع ذلك، من المهم أن يتم تقييم المريضة وتحضيرها من قبل طبيب الغدد الصماء، وأن تُجرى العملية بواسطة فريق جراحي متمرس، وأن يتم توعيتها بشكل جيد حول المخاطر المحتملة وفترة ما بعد الجراحة.

في الوقت الحالي، يتم ملاحظة عدد متزايد من النساء اللاتي خضعن لجراحة السمنة في بلدنا. وقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة JAMA عام 2008 أن عدد عمليات جراحة السمنة قد ازداد بمقدار ثمانية أضعاف بين عامي 1998 و2005. وقد تبيّن أن 80% من المرضى كانوا من النساء، ونصفهن في سن الإنجاب. كما لوحظت اضطرابات في الدورة الشهرية واختلالات هرمونية ومشكلات في الإباضة وجودة البويضات بنسبة تصل إلى 30–47% لدى النساء المصابات بالسمنة. ويُعد ارتفاع الأندروجينات وفرط الإنسولين من العوامل المهمة المرتبطة بزيادة الوزن. ومع جراحة السمنة تتحسن الاضطرابات الهرمونية لدى ثلث النساء المصابات بتكيس المبايض ومعظم النساء الأخريات المصابات بالسمنة. كما أن تراجع جودة النشاط الجنسي يُلاحظ بشكل أكبر لدى الأفراد المصابين بالسمنة مقارنة بغيرهم. وفي حال التخطيط للحمل لدى المرضى الذين يعانون من سمنة شديدة، يمكن توجيههم إلى مراكز جراحية بعد تقييم الفوائد والمخاطر من قبل طبيب الغدد الصماء.

بسبب اضطرابات الامتصاص، لا يُفضّل استخدام وسائل منع الحمل الفموية (الأقراص). ويُسمح بالحمل بعد 12-18 شهرًا من جراحة السمنة. هذه المدة ضرورية لالتئام الجروح، وتكوين نسيج ندبي صحي وقوي، وتقليل المخاطر الأيضية، وتقوية عضلات البطن. وكل ذلك ضروري لتحقيق التوازن في الجسم وضمان حمل صحي.

قد يُلاحظ لدى المرضى الذين خضعوا لجراحة السمنة بعد العملية حدوث قرحات معدية ومعوية شديدة، وارتجاع، والتهاب المعدة، ومتلازمة الإفراغ السريع (التي تتمثل في النعاس وانخفاض السكر بعد تناول الطعام)، بالإضافة إلى نقص شديد في الحديد، وفيتامين B12، وحمض الفوليك، والزنك، وفيتامين D.

قبل الحمل، من المهم متابعة فقر الدم ومستويات الفيتامينات ومخاطر السكري وضغط الدم وانقطاع النفس أثناء النوم ومشكلات المفاصل بشكل دوري. كما أن فحص الكيتونات في البول مهم قبل الحمل وأثناء متابعته. إن تعويض نقص الفيتامينات والمعادن بعد الجراحة ضروري لحدوث الحمل واستمراره بشكل صحي. ومن المهم ملاحظة انخفاض مخاطر القلب وتحسن الحالة الأيضية. يحتاج الجسم إلى حوالي 12-18 شهرًا للتعافي والوصول إلى المستوى المناسب للحمل. قبل التخطيط للحمل، يجب إجراء فحص قاع العين، وفحص القلب، والبحث عن الدوالي أو الجلطات في الأطراف السفلية، وإجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية للبطن، وقياس سعة الرئة، والحصول على لقاحات الالتهاب الرئوي والإنفلونزا والتهاب الكبد.

قد يكون خطر الولادة المبكرة أعلى لدى النساء اللاتي خضعن لجراحة السمنة مقارنة بالنساء المصابات بالسمنة اللواتي لم يخضعن للجراحة. كما أن الغثيان والقيء في بداية الحمل قد يكونان أشد. وعند حدوث الحمل، تُعد التغذية السليمة ضرورية للحفاظ على وزن الأم ونمو الجنين. وبسبب اضطرابات الامتصاص، تحتاج الحامل إلى كميات أكبر من الفيتامينات والمعادن مقارنة بالحمل الطبيعي. وفي بعض الحالات قد يكون من الضروري إعطاؤها عن طريق الوريد.

 

زيادة الوزن أثناء الحمل: وفقًا لتوصيات معهد الطب، يُنصح بأن تزداد النساء ذوات مؤشر كتلة الجسم الطبيعي (كغ/م2) بمقدار 11-16 كغ، والنساء ذوات الوزن الزائد 7-11 كغ، والنساء المصابات بالسمنة 5-9 كغ خلال فترة الحمل. وإذا لم تكن زيادة الوزن ضمن هذه الحدود، فيجب متابعة الحالة الغذائية بشكل أدق، وإلا فقد تزيد مخاطر الولادة المبكرة.

 

البروتين: في الحمل الطبيعي، يُوصى بتناول 0.9 غرام من البروتين لكل كغ من الوزن حتى الشهر السادس، و1 غرام لكل كغ في الأشهر الثلاثة الأخيرة. لا توجد توصيات محددة بعد جراحة السمنة، ويجب أن يحدد أخصائي التغذية كمية البروتين وفقًا لنوع الجراحة والمدة التي مضت عليها.

 

المعادن والفيتامينات: تزداد الحاجة إلى الحديد أثناء الحمل، ويجب زيادة تناوله من الغذاء. سيقوم الطبيب بمتابعة مستوى الهيموغلوبين ويوصي بالمكملات عند الحاجة. يجب عدم تناول الحديد والكالسيوم معًا، لذلك يجب تناول منتجات الألبان قبل أو بعد مكمل الحديد بساعة على الأقل. كما يجب تجنب إعطاء الحديد عن طريق الوريد في الأشهر الثلاثة الأولى.

  • تؤثر جراحة السمنة على توازن الكالسيوم، لذلك يُنصح بزيادة تناوله لدعم صحة العظام والأسنان للأم والجنين.
  • قد يؤدي نقص المغنيسيوم إلى التقلصات، ويمكن تناول المكملات بعد استشارة الطبيب فقط.
  • قد يؤدي نقص الزنك إلى الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود وعيوب الأنبوب العصبي.
  • نقص حمض الفوليك يسبب عيوب الأنبوب العصبي، لذلك يجب البدء به قبل الحمل والاستمرار خلاله.
  • نقص فيتامين B12 قد يسبب مشاكل عصبية للجنين.
  • يوصى بفيتامين D بجرعة تصل إلى 4000 وحدة دولية يوميًا، وقد تصل إلى 6000 بعد الجراحة.
  • زيادة فيتامينات A وD وE وK قد تكون سامة، لذلك لا يجب تناول المكملات دون استشارة الطبيب.

 

متلازمة الإفراغ السريع: قد تحدث بعد جراحة السمنة، حيث ينتقل الطعام بسرعة من المعدة إلى الأمعاء، مما يسبب شعورًا بالجوع وتذبذبًا في مستوى السكر، بالإضافة إلى التعب والصداع. كما قد تزداد أعراض مثل الإسهال والتجشؤ والارتجاع. خلال الحمل، قد تتفاقم هذه الأعراض، لذلك يجب اتباع نظام غذائي مناسب يتضمن وجبات صغيرة ومتكررة (6-8 وجبات يوميًا)، مع التركيز على البروتين والألياف.

 

فترة الرضاعة: يُوصى بإرضاع الطفل حليب الأم فقط خلال أول 6 أشهر. تزداد الحاجة إلى الحديد والكالسيوم والفيتامينات والمعادن لدى الأمهات اللاتي خضعن لجراحة السمنة، وقد يؤدي نقصها إلى مشكلات في نمو الطفل. ويمكن الوقاية من ذلك من خلال التغذية المناسبة والمكملات الغذائية.

 

يجب متابعة الحوامل اللاتي لديهن تاريخ من جراحة السمنة بشكل منتظم من قبل طبيب الغدد الصماء وأخصائي التغذية. إن المتابعة المنتظمة والدعم المهني ضروريان لتجنب المضاعفات لدى الأم والجنين. ويُحدد نوع الولادة (طبيعية أو قيصرية) وفقًا للحالة العامة للأم والجنين.

 

 

Dr Erdal DUMAN

Uzm. Dyt Doğa PEKSEVER